أيام العجين والخَبز – 2

صيف عام 2016

تحدثت في الجزء السابق عن بداية تجربتي في العمل كصانع للفطائر التركية وكيف تطور الأمر لتعلمي لهذه الحرفة وموقف الأسطى السلبي الذي أدى في النهاية لتركي العمل.

في السابق .. عندما كنت أتعرض لموقف مشابه .. كان كل ما أفعله هو المكوث في البيت لعدة أيام أبحث خلالها عن عمل آخر حتى أجد واحداً، لكن بعد كل هذه المدة من العمل في صنعة معينة واتقانها لم يعد من المنطقي أن أبدأ من جديد في مجال آخر، لذلك لم يعد أمامي سوى أن أرى إن كان هناك عمل لي عند أحد المنافسين للمكان الذي كنت أعمل به.

ولم تكن الخيارات كثيرة لأن المكان الذي كنت أعيش به وقتها كان عبارة عن بلدة لم يكن تعداد سكانها كثيراً، للدقة كان هناك ثلاثة أماكن لصنع الفطائر التركية أولهما كانت لي تجربة سيئة جداً معه سأكتب عنها في يوم ما إن شاء الله والثاني هو ما كنت أعمل عنده فعلياً، لذلك كان خياري الأخير هو ثالثهم.

كان صاحب ذلك المكان الثالث شاباً في منتصف العشرينات من عمره يعمل في الأساس في بيع الأحذية، ثم أتته فرصة شراء محل حلويات وفطائر معروف في البلدة مع المعمل التابع له اللذين كانا يقعان في الشارع المركزي وسط البلدة.

فيما بعد أثبتت الأيام أن قراره هذا كان خاطئاً تماماً لأنه أولاً لم يكن يملك الخبرة في هذا المجال مع وجود منافسين أقوياء وثانياً كان شخصية تجيد اتخاذ القرارات الغبية بامتياز.

وأنا لم أكن في ذلك الوقت أعرف هذه المعلومات ولم تكن تهمني كثيراً .. كان المهم أن أجد عملاً لا أكثر .. لذلك ذهبت لعنده وعرضت أن أعمل عنده فوافق … نكاية بمنافسه على الأقل.

هكذا وجدت نفسي أتجه بالدراجة ليلاً نحو المعمل الجديد لأبدأ عملي مع أسطى آخر الذي اكتشفت بعد دخولي أنه أيضاً في العشرينات من عمره بعكس الأسطى السابق الذي كان أربعينياً.

كان هناك مساعد آخر عرفت فيما بعد أنه صديق الأسطى الجديد، بدأت أساعد بتجهيز العجين كالعادة ومن ثم بدأ الأسطى يقطع العجين وأشار لكمية كبيرة من القطع وطلب مني أن أجهزها لنوع معين من الفطائر.

استدار الأسطى لدقائق وانشغل بالتحدث مع صديقه والتفتا بعدها نحوي ليتفاجئا بأنني أنهيت ما طلبه مني، أصابهم بعض الوجوم ثم طلب مني أن أقف عند الفرن لأبرّد الفطائر وأضعها بعدها في الحاويات المعدنية.

هل لاحظت معي !؟.. لقد تكرر نفس الأمر بسرعة هذه المرة .. شعر الأسطى بأنني لست مجرد مساعد وأنني أسطى مثله، فخاف على نفسه أولاً وعلى صديقه ثانياً الذي سيطرد حتماً من العمل بمجرد أن يراجع صاحب العمل الكاميرات ويرى كيف يتم العمل، لذلك قرر تحييدي بسرعة لأقوم بعمل من الممكن لأي شخص القيام به.

هكذا مضت عدة أيام كنت أنا فيها دائماً أول الواصلين الى المعمل على حين كان الأسطى يتأخر هو وصديقه لفترة قد تصل لأكثر من ساعة كنت أجلس فيها وأقرأ بضعة صفحات من كتاب ما.

ويبدو أن الأسطى كان كان حويطاً أكثر من اللازم في حذره من وجودي معه لأنني نُقلت بعد عشرة أيام تقريباً للعمل في الفترة الصباحية مع المجموعة التي تقوم بتحضير الجاتوه والكيك، شعرت بالحزن في البداية وأقنعت نفسي بعدها بأنها فرصة لأتعلم فرعاً جديداً في هذه المجال الكبير حقاً، لكن المشكلة أن هذا كلفني بأن أعود وأن أُعامل كمساعد من الصفر ولكن لم يكن هناك مجال للاختيار وفكرت بأن أصبر وأرى ما سيحدث بعدها.

وعلمتُ في تلك الأثناء من أسطى الجاتوه والكيك أن الأسطى الذي كنت أعمل معه سابقاً قد ترك العمل، وشعرت بالغضب منه لأنه تسبب في أذيتي من أجل حماية نفسه ومع ذلك ترك العمل هو ولم يطرده أحد ولم يستفد من أذيتي بأي شيء.

الذي حدث أنني بقيت هكذا لبضعة أسابيع قبل أن تأتيني مكالمة من صاحب العمل في الليل يطلب مني الحضور بسرعة الى المعمل، وعندما ذهبت الى هناك اكتشفت أن صاحب المعمل قد قام بطرد صديق الأسطى منذ أيام ثم تشاجر مع الأسطى نفسه الليلة الفائتة فغضب هذا الأخير وترك العمل هو الآخر، هكذا أصبح قسم الفطائر خالياً من العمال وأصبح صاحب العمل في إشكالية خاصة أن هناك العديد من أكشاك البيع في المدارس وغيرها تقوم بأخذ كميات من الفطائر من عنده وهذه لن تجد أي شيء في الصباح وسيقع صاحب العمل في مشكلة كبيرة.

كان صاحب العمل .. يطلقون عليه لقب ” البترون” .. موجوداً هو وأسطى الجاتوه ومساعده الرئيسي، بدأنا العمل ولاحظوا مدى مهارتي في تحضير الفطائر وأصابهم هذا بالارتياح لأنه كان .. بالنسبة لهم .. حلاً سحرياً لهذه المشكلة.

هكذا قرر صاحب العمل أن يعيدني الى العمل بقسم الفطائر وأن يضع معي شاباً صغيراً عديم الخبرة لكي يساعدني، شعرت بالسعادة وقدرت أنه يريد اختباري ليرى إن كنت أستطيع أخذ دور الأسطى.

هنا كانت الأيام التي قضيتها في عملي السابق قد أفادتني لأنني تعودت على السهر والعمل لساعات متواصلة من دون راحة، إضافة الى أن جودة الفطائر التي كنت أصنعها كانت أفضل بكثير من تلك التي كان يصنعها الأسطى السابق وهذا ما لاحظه خال صاحب العمل السابق الذي قال لي أنه علم أنني صرتُ أنا الذي أصنع الفطائر بمجرد النظر الى الفطائر الموجودة في واجهة المحل الذي هو بالمناسبة يقع مباشرة أمام محل صاحب عملي القديم.

مضى يومان على هذا الحال، لم أكن أستطيع طبعاً صنع نفس الكمية التي كنا نصنعها أنا والأسطى القديم ولكنها كانت تكفي لاستيفاء التزامات صاحب العمل.

بعد عدة أيام أخرى ذهبت إليه وطلبت منه أن أخذ أجرة أسطى فرفض بحجة أنني أصنع كمية أقل من اللازم، أجبته بأن هذا طبيعي وأنه يطلب كمية كبيرة لا يستطيع شخص واحد صنعها حتى لو كان أسطى، فهز كتفيه وعاد ليرفض ما طلبته.

هنا أصبحت الأمور واضحة، هو يريد استغلالي وهو يعلم أنني خياره الوحيد في هذه البلدة، لذلك كان رد فعلي بسيطاً جداً، قلت له أنني مستقيل وذهبت لأخذ أغراضي من خزانة الملابس وعدت للمنزل وأن أشعر بمرارة كبيرة في حلقي.

شاء المولى بعد ذلك بأسبوع أن أحصل على عمل بمكتب سياحة في مدينة طرابزون وتركت البلدة كلها وسافرت لهناك وحصلت معي هناك أحداث جديرة بأن تكتب هنا ولكن هذه قصة أخرى.

كان هذا آخر عهدي في العمل بصنع الفطائر التركية، ولكنها لم تكن آخر مرة أصنعها، وحتى الآن أقوم بصنعها في المنزل وهذه بعض الصور لمراحل صنع أحد أنواعها.

فطائر في الفرن
فطائر في صينية بعد خبزها
فطائر جاهزة للأكل

الحقيقة أنني لست نادماً على خوضي هذه التجربة التي استمرت لوقت لا بأس به، لأنني من جهة تعلمت مهنة بعيداً عن العمل من وراء الطاولة وهذا شيء ضروري فلا أحد يعرف ماذا تخبأ الأيام ومن جهة أخرى هي مهارة أتقنتها وغيّرت العديد من صفاتي الشخصية وأكسبتني طاقة تحمل وأصبحت نظرتي مختلفة في التعاطي مع الأمور لأنني جربت حياة الصنايعية من دون أن أفقد مكتسباتي الأساسية كأحد أصحاب الشهادات الجامعية.

هكذا انتهت أيام العجين والخَبز.

5 تعليقات

  • عبدالله المهيري

    غريب هذا الخوف من المهارة، صاحب العمل الذكي سيرى الماهر فرصة للتفوق على المنافسين لكن يتكرر موضوع الخوف من الشخص الماهر، وقد سمعت وقرأت قصص مماثلة عديدة ولا زلت أستغرب ذلك، مالك المشروع يفترض ألا يخشى على نفسه من الماهر بل يستغل مهارته ويتركه يفعل ما يشاء (بحدود طبعاً) ويبدع وينتج ولا يقف عائقاً أمامه، وظيفة المدير هي إنشاء بيئة جيدة يمكن للموظفين العمل فيها بدون عوائق.

    أياً كان، الخبرة التي اكتسبتها ستفيدك والفطائر تبدو شهية حقاً، ضع صورها في فليكر 😅

    • عامر حريري

      المشكلة في أغلب مدراء المشاريع الذين رأيتهم في حياتي أن هناك مشكلة في ثقتهم بأنفسهم، يتصرفون وكأن خراب بيتهم قادم لا محالة، هذا يأتي من سوء ظنهم بصاحب العمل لذلك يريدون أن تكون الأمور لصالحهم الشخصي بأي ثمن حتى لو كان ذلك سيؤذي العمل ويجعله غير قابل للتطوير، ولو كان الثمن أن يخسر جميع من في المشروع عملهم .. لا مشكلة .. المهم أن يبقى هو .. حدثت معي أمور بعدها أكدت لي هذا الأمر بشكل أكثر فداحة للأسف.
      كنت أتمنى لو أستطيع إيصال بعضها لك لتتذوقها .. عموماً من يدري ؟؟ 🙂
      سأضع الصور في فليكر .. يبدو أنني لم أعتد على ذلك بعد.
      شكراً على مرورك أستاذ عبد الله.

    • عامر حريري

      يبدو لي ذلك أيضاً 🙂 … عموماً لقد اكتفيت منه حقاً … شكراً على تشجيعك … سأواصل السرد عن أزمنة وأحداث أخرى إن شاء الله

اترك رداً على عامر حريري إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *