خارطة الطريق

النصف الثاني من عام 2012 …..

من أكثر حبكات الرعب التي تستعمل في الأفلام : هل جارك يا ترى هو جارك حقاً أم أنه كائن ما يتظاهر بأنه هو !؟ .. هل الشوارع التي تمشي بها هي نفسها شوارع طفولتك أم أن شيئاً ما تغيّر وجعلها أبعد من أن تكون مصدراً للأمان والبهجة !؟

حلب وقتها قد قسمت لمناطق بين المعارضة والنظام .. كانت هناك ليلة قضيناها في الممر الواصل بين الغرف في منزلي على وقع أصوات الرصاص وهم يحاولون السيطرة على مخفر الشرطة القريب من شارعنا، أتى أبي بسيارته في الصباح ومضينا الى بيت أهلي وأنا أتوقع أن الوقت لن يطول قبل أن أعود لبيتي .. على أن الوقت قد طال ليصل الى هذه اللحظة.

كانت أياماً سوداء بكل ما يملكه هذا الوصف من معنى .. الكهرباء مقطوعة غالب الوقت ولا تأتي سوى لفترة محدودة جداً لدرجة أننا كنا نترك التلفاز مفتوحاً حتى يوقظنا صوته لو أتت في الليل عندها كنا نقفز من النوم بكل نشاط لتتجه طفلتاي الى التلفاز لتتفرجان على قنوات الأطفال وزوجتي نحو المطبخ وأنا نحو الحاسب لكي أعرف ما يجري عن طريق تويتر الذي كنت أدخله من خلال متصفح تور.

قضيت حوالي الشهرين جالساً في المنزل الى أن اتصلوا بي في العمل لكي أعاود الدوام فهم بحاجة لمن يسد نقص الموظفين بعد أن توقف بعضهم عن المجيء كونهم يعيشون في مناطق خاضعة لسيطرة المعارضة.

لم أكن راغباً بمعاودة الذهاب للعمل في البداية، كنت خائفاً من حواجز التفتيش التي سمعت أنها أُقيمت في كل مكان، ولكن البيت الذي يحتاج للمصروف لم يترك لي أي خيار آخر سوى التوكل على الله والنزول صباح اليوم التالي … المواصلات قليلة وأُجرتها مرتفعة بشكل ملحوظ، وفوق ذلك كانت مزدحمة لدرجة أن هناك من يجلس بوضعية القرفصاء في المنتصف وهذا جعل الجو خانقاً، جلست وأنا أحاول تجاهل أكوام البشر التي تحيط بي بإحكام، بعد دقائق كنا نمر من شارع الملعب الرياضي عندما مرت العربة بشكل عابر من أمام حاجز، لم تتوقف ولكن الوقت كان كافياً لكي نرى تلك الجثة الملقاة بإهمال بجانب الحاجز، كان شكلها يحوي أنها عائدة لشاب، الزحام الخانق وذلك المشهد جعلاني أشعر بأعراض كلوستروفوبيا أخذت تتكرر لدي كلما مررت بموقف زحام خانق مماثل أو في أي موضع أشعر فيه بالحصار.

كان توقف عربات المواصلات عند الحواجز يشكل بالنسبة لي احتمالاً مرعباً لم أستطع إبعاده عن ذهني طوال الأيام التالية لذلك ومن خلال مراقبتي للشوارع بدأت برسم خريطة سير خالية قدر الإمكان من أي حاجز بحيث تبدأ من منطقة الحمدانية حيث بيت أهلي التي كان يفصل بينها وبين منطقة الجامعة حاجزين كانا يكتفيان بالنظر السريع الى وجوه الراكبين وبعد أن تصل العربة الى ساحة الجامعة أقوم بالنزول منها وأسير خلال شارع أدونيس العريض وأنعطف مع نهايته يساراً نحو ممر مشاة أعبر بعده منطقة سكنية لأصل الى شارع رئيسي وأقطعه الى الطرف الآخر بحيث أتخطى حاجزين وُضِعا في أوله وآخره لأدخل في منطقة سكنية أخرى وأصل بعدها الى مكان العمل.

كان هاجس الفرار من الحواجز يشغلني دائماً الى نحو قد يراه البعض مبالغاً فيه .. الواقع أنه لم يكن كذلك أبداً لأنني مررت بتجربة أثبتت أنني كنت على حق سأكتب عنها في مرة قادمة إن شاء الله.

استمر هذا عدة أشهر الى أن أتى يوم بدأت الصواريخ بالتساقط فوق عدد من المباني حولنا، كان صباحاً رهيباً بالنسبة لسكان الحي وقيل أن هناك امرأة قد توفت من جراء القصف، هذه المرأة وكثيرون غيرها سيبقوا في رقبة من فعلها كائناً من كان الى يوم القيامة.

كنت يومها لحسن الحظ في البيت وشاهدت وسمعت ما جرى، هنا كنت قد اتخذت قراراً بالتوجه الى تركيا، لم أرد أن أعود يوماً ما للمنزل وأشاهد ما شاهدت حصوله لمنازل أخرى، هكذا لم يمضي يومين إلا وكنت أعبر الحدود وأترك كل هذا ورائي.

الشوارع الليلية البائسة بشكلها وخلوها من الإنارة وبمن فيها وهاجس الخوف من الحواجز كل هذا لم يكن تجربة تستطيع نسيانها بسهولة لذلك بدأت تلك الكوابيس تهاجمني باصرار ..

أنا أسير في شوارع مظلمة مليئة بالحفر وأسمع صوت أناس يتكلمون بصوت مسموع داخل بيوتهم، أسير حتى أتفاجئ بأن هناك حاجزاً أمامي ..

كيف لم أره قبل أن أقترب منه الى هذا الحد !؟ ..

لم يعد هناك مجال للتراجع ..

أقترب أكثر لأتذكر أنني نسيت هويتي في البيت …

هنا أصحو وأنا أشعر بالضيق والخوف والاختناق، تكررت هذا الكابوس كثيراً لعدة أشهر حتى أتى يوم رأيت نفسي كالعادة أقترب من الحاجز وأتذكر أنني نسيت هويتي .. هنا أكملت الكابوس وشاهدت العسكري وهو يمسكني ويدخلني الى خيمة يجلس فيها مساعد وراء طاولة وُضع عليها هاتف أسود ضخم قديم يشبه بشدة هاتف بيت جدي ..

هل سرقوه من هناك !!؟

مد المساعد يده واتصل وطلب من شخص ما أن يأتي ليأخذني الى المعتقل ..

أنا جالس هناك بانتظار مصيري المحتوم و .. أنهض من النوم وقلبي يخفق بشدة ..

الأمر المثير للدهشة أن هذا هو آخر كابوس مكرر أراه وبعدها كف سيناريو الكابوس هذا عن زيارتي.

وبين وقت وآخر والى الآن يقتحم أحلامي هذا المشهد .. الحواجز المظلمة المنتشرة في كل زاوية والطريق الصعب الطويل الذي عليّ أن أقطعه حتى لا أمر من أي أحد منها.