صندوق تينيوس أو أنا أعرف أنك موجود هنا – 1

1 – من أمام الخزانة

غريب أمرهم أولئك الكبار ..

تصرفاتهم المضحكة وكأنهم يسيطرون على كل شيء .. ثقتهم بنفسهم المبالغ بها الجديرة بأن توضع في أفلام الكوميديا، تراهم يصرخون ويلوحون بيدهم مهددين بفعل تلك الأشياء التي أراها مضحكة حقاً وأخشى أنهم يؤمنون فعلاً أنهم يستطيعون القيام بها، بالنسبة لي كان كل ما يتطلبه الأمر هو التظاهر بالطاعة وتنفيذ ما يطلبونه من دون نقاش ليهدؤوا بعدها كالقطط التي شبعت بعد جوع طويل وذهبت لتقبع نائمة في ركن دافء وهي تهدر في رضا.

الحقيقة أن من ربح هذه المرة أيضاً وكالعادة هو أنا…

أطفأ الأنوار واذهب الى النوم .. حاضر ..

أُغلقُ ضوء الغرفة لأجلسَ بجانب النافذة وأُراقبَ ما يجري في تلك الزاوية من العالم التي تطل عليها .. يسود الهدوء بعد دقائق وأعلم عندها أن الجميع غارق في النوم ..

الآن يبدأ النهار الحقيقي .. أُشعل ضوء الأباجورة القابع على الطاولة وأسرع الى الخزانة وأفتح بابها وأتأمل محتوياتها في شغف، أتجاهل طبعاً القسم الأيسر المليء بالملابس، ما أريده موجود في الأرفف اليمنى الممتدة على ارتفاع الخزانة، الرفوف التي يحوي كل منها ما قد ترغب به أطفال الدنيا بأكملها.

هل أنا طفل!؟ .. من قال هذا !؟

ماذا لدينا اليوم؟ .. هل أبدأ اللعب بلعبة الفيديو الجديدة التي اشترتها أمي البارحة!؟.. أم ألعب بمجموعة الوحوش الآتية من كوكب مازردا!؟ .. هل هي كروت الأبطال الخارقين!؟.. هل أتفرج على أحد أفلام الرف الرابع!؟ .. ماذا عن فيلم “العودة الى المستقبل” ؟؟

الحيرة اللذيذة التي تغمرك بالرضا والتي ترغب أن تطول ما أمكن …..

نَظر الى الرف الخامس في حسرة .. قطعة الورق المقوى الضخمة التي تتراص فوقها عشرات القطع البلاستيكية، اللعبة التي كان يلعب بها مع رزان، والتي أقامت أمه الدنيا عندما ضبطتهم يلعبون بها في الليل، كانت بضعة أيام زارتهم خلالها هي وأمها .. بضعة أيام ما زالت عالقة في ذهنه، كان بحاجة لشريك في هذه اللعبة ولم يُرد أن يكون أحد أصدقاء المدرسة الذين يأتون ويملئون المكان بالفوضى ويحطمون ألعابه ثم يعودون ضاحكين الى بيوتهم ..

رزان كانت تعتني بألعابه وكأنها لُعبها هي، كانت مندهشة من وجود كل هذا العدد من الألعاب من دون وجود دمى، وألح على أمه كثيراً حتى اشترت دمية أهداها بعدها لرزان التي فرحت بها بشكل أدهشه، لم يعتقد أن الأمر يستحق كل هذا.

كم حزن عندما عادت هي وأمها الى بيتهم، في السابق كان يعتقد أن كل شيء موجود عنده وأن الأمر لا يتطلب سوى بعض الالحاح لكي يشتري له أبواه أي شيء يريده.

لكن كيف سيشتروا له شيئاً مثل رزان، المشكلة أن رزان ليست شيئاً وإلا لغدا الأمر بسيطاً، وعندما قال لأبواه أنه يريد فتاة مثل رزان ضجّا بالضحك هما وجدّه الذي قال له وهو يربت على شعره :

  • لا تستعجل أيها الوغد الصغير، ستنال يوماً ما فتاة كرزان وبعدها ستلعن الساعة التي طلبت فيها مثل هذا الطلب.

اقترح أبوه بأن يجلبا له أخاً أو أختاً ليلعب معهما، ولكنه رفض باصرار، سيأتيان بطفل صغير أبله لا يكف عن البكاء والرضاعة، وعندما يكبر سيضعانه في غرفته ليُشاركه بها.

أخذ يبكي رافضاً ذلك باصرار، فقال أبوه في صبر فارغ :

  • لا تقلق أيها البائس، لا يوجد شخص عاقل يكرر أخطائه مرتين ولن أجلب للعالم مصيبة أخرى.

ثم أخبره في حزم بأن عليه الذهاب الى غرفته لأن وقت النوم قد حان .

2 – الكنز

في تلك الليلة كان جالساً بجانب النافذة منتظراً كعادته اختفاء الأصوات من المنزل، كان الطريق خالياً تقريباً من العربات والمارة، الشارع العريض والطويل المزدحم بالأبنية والخالي من المتاجر، كان منزلهم يقع في آخر الشارع بجانب الحديقة العامة في أقصى زاوية منها تحديداً، ذلك المكان الذي لا يزدحم بالبشر في العادة، المكان المهمل من الناس غالباً والذي هو أشبه بغابة بريّة صغيرة، كانت نافذة غرفته تطل على جزء كبير من تلك الزاوية من الحديقة وجزء لا بأس منه من الأبنية المقابلة .

دقات الساعة التي تكتشف بعد ثوان من التركيز أن صوتها بدأ يتعالى مخترقاً خلايا مخك في قوة، أغمض عينيه قليلاً ثم عاد يتأمل الحديقة المظلمة إلا من بعض الإضاءة الضعيفة القادمة من الطرف الآخر منها.

الإضاءة الضعيفة التي جعلته يلمح حركة ما.

دقق النظر أكثر، ها هي ذي مرة أخرى .. هناك من يتحرك ببطء خلال الأشجار.

حبس أنفاسه وهو يراقب ذلك الشبح وهو يقترب من مجموعة أشجار تقع بجانب سور الحديقة، لم تكن ملامحه واضحة ولكنه كان يمسك بشيء أشبه بملعقة ضخمة، .. هذا رفش بالتأكيد.

 توقف بجانب أحد الأشجار وصمت قليلاً وهو يتلفت حوله ببطء، ثم أمسك الرفش بكلتا يديه وبدء الحفر.

استمر ذلك لفترة ثم رآه يحرك إحدى يديه وكأنه يرمي شيئاً داخل الحفرة ثم بدأ يعيد التراب فوقها من جديد، وبعد أن فرغ من ذلك عاد ليتلفت حوله ثم سار بهدوء وغاب مبتعداً بين الأشجار.

جلس على المقعد وهو يتنفس بانفعال .. ماهذا الشيء الذي دفنه ذلك الشخص هناك!؟

هل هو كنز ما!؟ .. من المؤكد أنه كذلك ..  لا يكون الكنز كنزاً إذا لم يكن مدفوناً في مكان ما، وهو الآن لا يحتاج لخريطة مكان هذا الكنز لأنه يعرف أين دُفن بالضبط.

أشعره ذلك بالبهجة ثم عاد ليفكر في قلق في كيفية حصوله على هذا الكنز، كيف سيستطيع الحصول على رفش وكيف سيتسلل الى الحديقة ويقوم باستخراجه!؟

هذه مشكلة كبيرة حقاً ..

نسي أن الكبار قد ناموا منذ زمن ونسي محتويات الخزانة وجلس يفكر بما يجب عليه فعله

هل يخبر والده أو جده بما حدث ؟؟

سيسخرون منه ثم يحذروه من ارتكاب أي حماقة.

ماذا سيفعل إذن !؟

أخذت تتجمع الأفكار في رأسه مع الوقت .. سيأخذ الرفش من مستودع المبنى، لقد رأى واحداً هناك منذ وقت ما.

متى سيستخرج الكنز !؟

بعد مغيب الشمس طبعاً .. سيكون لديه الفرصة للخروج من المنزل والعودة قبل أن يشعر أحد بغيابه ويملئوا الدنيا صراخاً بحثاً عنه.

شعر بعد ذلك بالرضا .. ها هي خطته قد أصبحت مكتملة، لم يكن لديه أي رغبة في فتح الخزانة وانتقاء لعبة ما لذلك ولأول مرة منذ زمن توجه الى فراشه وغرق بعدها في نوم عميق.

خلال اليوم الثاني وفي أثناء وقت المدرسة كان شارداً ينتظر بفارغ الصبر عودته للبيت لكي يستعد لخطته المسائية، لاحظ أصدقاءه هدوءه غير المعتاد فحاولوا إغاظته بدعوى أنه تحول في ظروف غامضة الى فتاة وقالوا له ضاحكين أنهم سيشتروا له دمية كهدية في عيد ميلاده القادم، فانفجر غاضباً على نحو جعلهم يتراجعون خائفين، ها هو ذلك الأحمق قد عاد لطبيعته العدوانية.

لا بأس بذلك .. لا بأس بذلك مطلقاً.

عاد الى المنزل واتجه الى المطبخ حيث تركت له أمه وجبة جاهزة كعادتها حين تعلم أنها ستتأخر في العمل هي ووالده، تناولها بسرعة ثم نزل الى مستودع المبنى وأخذ يبحث عن الرفش حتى وجده، حمله بصعوبة ووضعه في حديقة المبنى الخلفية وراء كومة من الأحجار، وقف بعدها يلهث قليلاً ثم عاد الى المنزل ونام قليلاً كعادته ليعوض ساعات السهر الليلية الدائمة واستيقظ عند مغيب الشمس ..

ها هو وقت تنفيذ الخطة قد حان .. قام بنشاط وتسلل بهدوء متجهاً نحو باب الخروج، ككل يوم كان والداه في الصالة يتابعان ما يعرضه التلفاز مع جده، لن يشعرا بغيابه غالباً إلا بعد عودته.

بعد دقائق كان يمسك الرفش ويسير ببطء متجهاً للحديقة عن طريق الشارع الخلفي، اقترب من جزء كان الحائط فيه منخفض الى حد ما ونظر حوله ليتأكد من خلو المكان ثم بدأ يحاول إلقاء الرفش داخل الحديقة وكاد أن يصيب رأسه عدة مرات ثم نجح أخيراً، مشى لاهثاً بسرعة باتجاه باب الحديقة الجانبي وعبره متجهاً نحو البقعة التي رمى الرفش فيها.

ها هو ذا ..

التقطته واتجه بحماس نحو مكان الكنز، ووقف بعدها وأخذ يفكر بحيرة بكيفية استعمال الرفش، ثم أخذ يقلد ما كان يفعله ذلك الشخص ليلة البارحة، بدأ يتجمع عرق غزير على جبهته ويغمر ثيابه وهو يحاول غرز الرفش وازاحة التراب .. يبدو أن الأمر قد استمر لأكثر من ساعة قبل أن يعثر بين أكوام التراب على كيس قماشي سميك، أمسكه وهو يلهث بانفعال وفتحه بسرعة فوجد صندوقاً خشبياً صغيراً داخله.

ها هو ذا .. أمسكه وأخذ يتأمله بانبهار ثم أخذ يتلفت في سرعة ثم أمسكه بشدة وركض عائداً نحو المنزل.

دفع الباب الذي تركه موارباً بهدوء ومر بسرعة من أمام الصالة متجهاً لغرفته، كانت ثيابه مليئة بالعرق والغبار فأخذ حماماً سريعاً واستبدل ثيابه وعاد الى غرفته ومد يده حيث خبأ الصندوق وتأكد من وجوده، سمع والدته تناديه فاتجه بسرعة نحو الصالة.

كانوا لايزالون جالسين أمام التلفاز، نظرت له أمه باستغراب وسألته :

  • لقد كنت خارج المنزل أليس كذلك !؟ .. لقد سمعت باب الخروج يفتح .. لماذا بدلت ثيابك !؟.

رد عليها بسرعة قائلاً:

  • لقد كنت ألعب مع حازم في الحديقة وكان هناك بعض الغبار و ..

لوحت أمه بيدها وقاطعته قائلة:

  • لا تذهب مرة أخرى خارج المنزل في هذا الوقت، هل تفهم؟

هز رأسه بهدوء على حين عادت أمه لمتابعة التلفاز بعد أن فرغت من واجبها التربوي، وقف بجانبها قليلاً ثم عاد لغرفته، أغلق الباب بإحكام ثم أمسك بالصندوق وأخذ يقلّبه بيديه في فضول، وبدأ يمسحه بكم يده، كان مصنوعاً من الخشب المزخرف بأشكال غير واضحة بفعل الزمن، كان ثقيلاً الى حد ما.

ماذا يوجد بداخله يا ترى؟

أخذ يحاول فتحه بكلتا يديه دون جدوى، أمسك مفكاً وحاول حشر طرفه بطرف غطاء الصندوق …

هل هذا خشب حقاً !!؟

شعر بالغضب ورماه على الأرض فتدحرج حتى اصطدم بالحائط واستقر في طرف الغرفة .. لا يدري لماذا شعر بأن الصندوق ينظر له بسخرية فغضب أكثر وعاد ليمسكه ويرميه أسفل السرير حيث اختفى بين الأشياء الكثيرة الموضوعة هناك، وسمع بعدها صوت أمه يناديه لتناول العشاء.

يتبع ….

2 تعليقان

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.