بِلاطة بيضاء .. بِلاطة سوداء

الصورة من تخيلي بواسطة موقع DALL·E

السنوات اﻷولى من الثمانينات.

أرغب هذه المرة في التكلم عن البدايات اﻷولى لوعيي في الحياة، تلك الذكريات المبكرة التي بقيت عالقة في ذهني على شكل صور سريعة مبهمة أحياناً وواضحة تارة أخرى.

مرة أخبرتُ أبي أنني أتذكر عندما حملني زوج عمتي المتوفي وأنا صغير وابتسم لي فقال لي أن هذا مستحيل ﻷن عمري وقتها كان لا يسمح لي بأن أتذكر أي شيء، المشهد المبهم في ذهني يؤكد لي بأني لست واهم ولكن من يدري لعليّ رسمتُ هذه الصورة من حديث ما سمعته في وقت سابق وتكفل عقلي بالبقية.

لكن الشيء المؤكد في كل هذا أنني أتذكر تماماً تلك السنوات القليلة التي عشنا خلالها أنا وأمي وأبي في ذلك البيت اﻵخر الملاصق .. والمفتوح أيضاً .. على بيت جدي.

لسنوات طويلة كان بيت جدي يقع في حيّ الزبّدية في حلب، حي قديم يعيش به سكان أصليون، كان من تلك اﻷحياء التي تتأسس بعد إزدحام المدينة القديمة وينتقل جزء من الناس لها ثم بعد سنوات طويلة تصبح قديمة هي أخرى لتتواجد أحياء جديدة وهكذا دواليك.

ويبدو أن جديّ رحمه الله قد أدرك حتميّة هذا الانتقال فاشترى بيتاً في منطقة سيف الدولة وانتقل إليه، الواقع أنه اشترى طابقاً كاملاً مكوناً من شقّتين واسعتين من مبنى قيد الانشاء ثم اتفق مع المهندس على أن يفتح الشقّتين على بعضهما من خلال غرفتين ملاصقتين لبعضهما والتي لا يفصل بينهما سوى جدار، وبإزالة ذلك الجدار أصبح لبيت جدي صالة كبيرة تتسع لعدد كبير من الناس لدرجة أنهم أقاموا عرساً فيها ذات مرة، كان عرساً عائلياً حضره أغلب أقربائنا، كان السبب في محدودية هذا العرس أن سنوات الثورة اﻷولى .. ثورة الثمانينات .. في سوريا كانت قريبة جداً ولم يكن من المناسب في تلك الظروف أن يُقام عرس تقليدي حتى أن عرس أبي وأمي كان على هذا المنوال في تلك اﻷيام الصعبة التي سال فيها الدم في مدن عديدة في سوريا وباﻷخص حماة، طبعاً لم يكن ليقارن بما يحدث هذه اﻷيام.

شكّلت صالة بيت جدي هذه المصدر اﻷكبر لذكريات عائلتنا ولجيلي خصوصاً في فترة الطفولة والشباب المبكر، كان بيت عائلة بشكل حرفي خصوصاً أن جدتي رحمها الله كانت تتواجد دائماً فيه، كانت مُقعدة لا تقوى على السير وكان لها مكان ثابت تجلس فيه طوال الوقت، كانت رحمها الله اجتماعية جداً لذلك لم تكن الصالة تخلو من الناس طوال النهار، الأبناء وأولادهم واﻷقرباء والجيران، كان معنى الخروج من المنزل بالنسبة لنا هو الذهاب لزيارة بيت جدي ﻷن الجميع هناك ولا حاجة للتنقل خاصة في تلك السنوات المبكرة عندما كنا نسكن في الطرف الآخر من البيت وبعدها عندما انتقلنا الى بيت آخر لم يكن بعيداً أبداً عنهم وكنا نروح ونرجع مشياً على اﻷقدام.

من تلك الذكريات المبكرة كانت تلك الكلمات التحذيرية التي تقولها لي أمي وهي توصيني بإخفاء ألعابي من أمام بقية اﻷطفال حتى لا يكون مصيرها العطب، كان هذا نوع مبكر من تكريس مبدأ الحفاظ على الملكية :).

كان من المألوف أن تجد عشرات الأشخاص جالسين في تلك الصالة، جربت عدّهم في أحد اﻷعياد فوصلت بسهولة الى أربعين شخص بين الكبار واﻷطفال، كان هذا أمراً طبيعياً مع وجود إثنا عشر من اﻷبناء ما بين عمّ وعمّة.

نجتمع بشكل شبه يومي ونتسلى بالحديث والضحك ومشاهدة التلفاز في ذلك الزمن الذي يخلو من تلك اﻷجهزة التي يمسكها الناس اﻵن طوال الوقت بشكل يسلبُ تركيزهم ويحولهم الى ذاهلين كأنهم منومين مغناطيسياً.

وأكثر ما كان يبهجني هي تلك اﻷوقات التي يكون بال الكبار فيها رائقاً ويبدأون بتبادل النكت، كنت أضحك منها من كل قلبي وخصوصاً تلك النكات التي يُطلقها عميّ اﻷصغر سناً، وأنا لا أعرف أين ذهبت تلك النكات التي كانت تنجح دائماً في رسم البهجة والضحك على وجوهنا، هل اختفت في ظروف غامضة أم نحن الذين تغيرنا !؟.

هناك شاهدت العديد من اﻷحداث كاالانتفاضة الفلسطينية اﻷولى وحرب الخليج وغيرها من على جهاز التلفاز اﻷحمر الصغير القابع في أحد أركان الصالة أمام ذلك المكان التي تجلس فيه جدّتي، كان الكبار يتكلمون بحذر لكي لا يسمع طفل ما ما يقولونه ويكرر الكلام في المدرسة أو في مكان ما ويتسبب لهم بعدها بمشاكل خطيرة حقاً، في العموم كانت ثقافة الخوف جاثمة على الصدور وكنا قد تعلمنا من بين ما تعلمناه ضرورة أن تطبق فمك دائماً ولا تتكلم بأي شيء مما تسمعه من الكبار.

وترى الناس في صالة بيت جدي يجلسون على المقاعد والديّوانات على شكل مجموعات كل منها يتحدث بموضوع مختلف، في أوقات الصيف كان زحام الصالة يخفّ قليلاً ﻷن اﻷولاد يجدون متنفساً أكبر في الشرفة الكبيرة التي امتدت فيما بعد لتشمل صيفية أقيمت فوق الدكان الذي اشتراه جدي مع البيت، الدكان الذي كان مغلقاً في الثمانينات وتم افتتاحه فيما بعد.

في ذلك الوقت كان العديد من أعمامي وعماتي مازالوا عزّاب وكان لي نصيب كبير من التدليل كوني كنت الحفيد الوحيد المتواجد بينهم، لم أكن الحفيد اﻷول ولكن البقية كانوا إما في بريطانيا أو في لبنان أو ساكنين في بيت مستقل.

في تلك الفترة كان هناك ثلاثة أعمام لم يكونوا قد تزوجوا بعد وبقيوا .. بالطبع .. مقيمين في بيت جديّ، كان أحبهم الى قلبي هو عميّ اﻷصغر الذي كان وقتها ما يزال في مقاعد الدراسة، ولعميّ هذا قصة صغيرة بهذا الصدد، لدينا في سوريا نوعين من دراسة البكالوريا أحدها تهتم بالمواد العملية ومن الممكن أن تذهب لكلية الطب أو الهندسة لو حققت المجموع المناسب واﻷخرى تُعنى بالمواد الأدبية أي أنك ستذهب الى كلية الصحافة أو الحقوق وكانت ميول عميّ هذا أدبية ولكن عمًّ آخر أقنعه بأن يدرس البكالوريا العلمية حيث أن مستقبلها مضيء أكثر بزعمه، وكانت النتيجة أن رسب فيها وأعاد بعدها دراسة الفرع الأدبي فنجح ودخل كلية اﻷدب العربي، كان يعمل حارساً ليلياً في إحدى المنشآت ليتدبر تكاليف الدراسة.

ومع الوقت وخلال التسعينات وبداية القرن الحالي تزوج من لم يتزوج وسكن بعضهم في بيت جدي لسنوات قبل أن يقوم جديّ رحمه الله بشراء منازل لهم.

كان بيت جدي بالنسبة لنا .. نحن اﻷطفال .. مساحة كبيرة تتيح لنا ساعات لا تنتهي من اللعب، مرة قمنا أنا وبعض أولاد عمي بِجلبِ ورقة وكتبنا عليها عبارة ” هذه قنبلة ذرية ” ثم رميناها على حديقة الجيران التي تقع أسفل الشرفة مباشرة، وتعرضنا بعدها لكثير من التأنيب الذي وقع أكثره على رأس أولاد عمي الذين سكنوا بعدنا في الطرف الآخر من البيت، الواقع أنه تأنيب بحجم أكبر مما يتحمله اﻷمر وكأن ما رميناه على حديقة الجيران هو فعلياً قنبلة ذرية :).

كنت دائماً أتأمل أرضيّة بيت جدي باستغراب، كان البلاط يتكون من مجموعات غير منتظمة من اللون اﻷبيض واﻷسود بشكل متنافر ويخلو من أي ذوق، سألت جدتيّ مرة عن السبب فأخبرتني أن جديّ تشاجر وقتها مع عُمال البلاط ففعلوا هذا نكاية به، بكل اﻷحوال لا أعتقد أن هذا التنافر قد سبب مشكلة لأحد وبالعكس أعتقد أنه أعطى طابعاً خاصاً لبيت جدي وأفادنا نحن اﻷطفال وبخاصة البنات اللواتي كنّ يلعبنّ عن طريق تلك البلاطات تلك اﻷلعاب المليئة بالقفز وتحريك الأحجار.

أتذكر في ذلك الوقت أن الشوارع كانت خالية من الزحام وحدائق البيوت تزدحم بالأشجار، كانت المنطقة هادئة حقاً وكنت تستطيع الاستمتاع بروائح اﻷشجار خاصة في عصارى أيام الصيف عندما يبدأ الهواء بالهبوب احتفالاً بالشمس التي توشك على المغيب، كان هذا قبل أن تتحول تلك الحدائق فيما بعد الى محلّات ودكاكين ويتحول الحيّ كله الى شيء أشبه بسوق شعبي تتراص فيه المحلات وبسطات البيع والبائعين الذين كان معظمهم من أصحاب الشبهات لدرجة لا تجد فيها مكاناً للمشي إلا بصعوبة.

كانت هناك حديقة قريبة جداً من بيت جدي كنا نذهب إليها أحياناً، حديقة صغيرة كان أبي يلتقط لنا فيها بعض الصور كلما أمكن، وأنا لم أكن أحبها لأنها كانت خالية من اﻷلعاب أو أي شيء مبهج كما هو موجود في حديقة السبيل التي تقع بالقرب من وسط البلد.

في نهاية أيام القرن الماضي ماتت جدتي رحمها الله، كانت صدمة كبيرة للجميع وخصوصاً أننا اعتدنا على نمط حياة اجتماعية شكلت هي وتلك الصالة الفسيحة المركز بالنسبة لها، واستمرت بعدها زياراتنا لبيت جديّ بفعل وجود جديّ وبفعل القُصور الذاتي الى أن لحق بها جدي بعد أربع سنوات، قبلها كان قد أعاد فصل المنزلين وأقام جداراً قبيحاً في وسط الصالة التي لم تعد هي بشكل كان يصيبني بالكئابة في تلك المرات القليلة التي كنت أزور بيت جدي بها بحكم تأديتي للخدمة العسكرية في ذلك الوقت، وقام جدي بتأجير الطرف اﻵخر من المنزل وبعد أن مات اشترى المستأجر الطرف اﻵخر من المنزل واشترى عمّي اﻷكبر الطرف المتبقي وبعد أن توفى بِيعَ البيتُ لشخص ما.

بقيت لفترة طويلة أتخيل البيت الخالي الصامت المتقطع اﻷشلاء والذي خلا من زحامه الذي اعتاد عليه خلال سنوات طويلة مع تبدل وتغير مصائر العديد ممن كان يجمعهم لدرجة أن بعضهم غادر سوريا كلها ولم يعد يستطيع أن يُلقي عليه .. كلما قادته قدماه نحو ذلك الشارع .. نظرة حزنٍ آسفة.

وأنا بعد كل هذا الزمن وكلما تذكرت تلك اﻷيام البعيدة أشعر بنوع خاص من الحنين الذي يصيبك بالهدوء وينسيك مرارة الغربة وقلة الناس من حولك برغم كوني أحب العزلة ولكن هذا لا يتعارض أبداً مع حُبي لتلك اﻷيام ..

أيام الزحام والضحكات والكلام …

2 تعليقان

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *