مرحباً بك يا صديقي ..

قلت لك في التدوينة السابقة أنني بصدد نقل مدونتي لتكون جزءاً من موقع شخصي سأقوم بإنشاءه لاحقاً باستخدام لارافيل .. نصحني معاذ بأن أنقل المدونة الى خدمة وردبريس المجانية حتى يأتي وقت الانتقال الى الموقع الشخصي .. وأنا رأيت أن الحل معقول ولكني فكرت بعدها بأن هذا سيولّد عدة تكرارات للمدونة من طرف ومن طرف آخر أنا أريد الهرب من وردبريس من الأساس وهذا الحل لن يحقق لي هذا الهرب.

لذلك سيكون الثالث عشر من الشهر الحالي هو آخر يوم ستعمل فيه المدونة .. لا أعلم على وقت التحديد متى سأصنع موقعي الشخصي الجديد .. عموماً لست على عجلة من أمري.

دعني أصارحك .. أنا متعب حقاً وأحاول أن أخفف بعض الأحمال على طريقة الطائرات أو السفن التي ترمي في ظروف معينة ما تشعر بأنها لن تستطيع حمله .. وقد يكون هذا الحمل ثميناً أحياناً من جهة ركاب السفينة على الأقل.

لذلك فأنا لا أعلم حقاً متى سأعود للتدوين هذا إن عدت حقاً .. قد تعود المدونة ولكن احتمالات عودتي للتدوين ستكون أقل.

أريد أن ألعب دور المتفرج .. أقرأ التدوينات وأكتب تعليقات عنها وهناك العديد منها ما هو جدير بالقراءة حقاً .

تخفيف الأحمال لن يكون بإيقاف المدونة فقط .. سألغي حسابي على تويتر وعلى ماستودون .. سأبقي حسابي على فايس بوك وأنا لست نشطاً فيه لأنه الوسيلة الوحيدة للتواصل مع عدد من الأشخاص الذين يهمني أن أبقى على تواصل معهم.

العلاقات الانسانية القائمة على الشبكة تتضاءل باستمرار وحتى تويتر الذي كان واحة صداقة زمان يتواجد فيه أشخاص حقيقيون بات الآن مكاناً للخلاف والشتائم ولأصحاب الذات المتضخمة والأوصياء على البشر .. هو مثال فقط وليس الوحيد للأسف.

أحاول أن أجعل حياتي أبسط … لو أخذ شخص ما كل هذه المظاهر التقنية والاستهلاكية وأعطاني بيتاً بحديقة أزرعها مما يؤكل ومما يُتفرج عليه مع صالة تدخل لها الشمس ومع صحبة بشرية كما كانت زمان لقبلت وأنا بكامل الرضا .. حياة غير استهلاكية مع مقدار معقول من العمل الذي يعوض ما لا تستطيع تعويضه بالاكتفاء الذاتي وهي أمور قليلة حقاً.

ستكون أولويتي هي الكتابة وستجد قصصي إن شاء الله على يوتيوب كدراما إذاعية .. هذا أمر يتطلب تفاعلاً قليلاً على الشبكة ويساعدني في جعل نشاطي الشخصي كما كان سابقاً وهذا يناسبني.

هذا يا صديقي ما أنوي فعله .. وكما تقول فيروز .. ديماً في الآخر في وقت فراق .. أرجو أنني قد كنت جليساً خفيفاً على الأقل.

لا فارق بين الشجاع والجبان

الموضة المستمرة في الحديث هذه الأيام هي موضة الحديث عن الذكاء الصناعي وما هو مدى الضرر الذي ستسبب به في الوظائف وفي أمور عديدة أخرى قد ندركها فيما بعد .. بعد فوات الأوان طبعاً.

هناك الكثير من الكلام وأكوام من الحقائق التي لا تستطيع التأكيد من كونها كذلك والخرافات التي قد تكتشف أنها حقائق .. الكل يتكلم ويدلي بدلوه لدرجة أن الأمر تحول لفوضى عارمة وحمام بماء مقطوعة.

الحقيقة أن الذكاء الصناعي مفيد حقاً بالأساس .. هذه حقيقة ثابتة .. أنا لم أكن أحلم بامتلاكي من يجيبني على أغلب الأسئلة تقريباً كما كنا نتخيل الحاسب زمان ولم أكن أستطيع تخيل أن أمتلك هذه القدرة على توليد الصور والتحكم بتفاصيلها بل وتحريكها أيضاً .. صحيح أنها ثوان ولكنها كافية مع قليل من الصبر لكي تنسج مشهداً متكاملاً .. بكل الأحوال ستغدو هذه الثواني القليلة دقائق مع الزمن.

ولكن هذا لا ينطبق على جميع المجالات.

زمان .. عندما اخترعوا المسدس قال صمويل كولت : “الآن لا فرق بين الشجاع والجبان” أي أن الجبان بات يستطيع أن ينال من الشجاع بمجرد طلقة مسدس ..

والآن بعد أن صنعوا الذكاء الصناعي أستطيع القول بأنه : ” الآن لم يعد هناك فرق بين الخبير وبين عديم الخبرة “

قد تجد أن عبارتي غير صحيحة وأنا معك في ذلك .. لأن الفارق بين الجبان والشجاع موجود برغم اختراع المسدس .. والفارق بين الخبير وبين عديم الخبرة الذي أصبح يدعي الخبرة هو موجود كذلك ..

يبقى الخبير خبيراً ويبقى عديم الخبرة كذلك .. الفارق أن هناك من عديمي الخبرة من بات يعتقد أن مجرد كتابته لبعض العبارات في مربع الحوار الذي يتيحه الذكاء الصناعي فهذا يجعله على قدم المساواة مع الخبير أو على الأقل هو لم يعد بحاجة للخبير وبات يستطيع فعل أي شيء بنفسه ..

الكثير من الناس تحب الادعاءات الزائفة .. هذا يشعرهم بالرضا خصوصاً مع كل هذا الخواء الذي يتسبب به قتل الوقت في التفاعل مع الشبكات الاجتماعية .. أضف الى ذلك النوع من البشر الذي يعيش كالمواشي الشاردة بمراعي خصبة بلا مسؤولية أو مخاوف .. الحمار كامل الدسم الذي اكتشف أن الذكاء الصناعي يستطيع أن يساهم في تحوله لحصان مزعوم.

هذا نوع من إكمال مسيرة تم بدءها منذ زمن .. تحديداً عندما بات حق التكلم وإبداء الرأي مكفولاً لأي شخص يمتلك هاتفاً ذكياً ووصولاً للشبكة .. لنرى بعدها أشخاصاً يقدمون أنفسهم بصفة معينة لا دليل عليها سوى إدعائهم لا أكثر .

من طرف آخر .. المشكلة الكبرى التي أحدثها الذكاء الصناعي من ناحية العمل هو أنه قد جعل الخبير يبتلع مكان المبتدأ بحيث لم تعد هناك حاجة لوجوده بعد أن أخذ الذكاء الصناعي مكانه .. عادة ما يعطون المبتدئين في العمل مهام روتينية مكررة .. والذكاء الصناعي بدأ بأخذ هذه المهام.

هنا يدخل البشر بمعضلة التفافية .. كيف ستغدو خبيراً بمجال ما إن لم تنل فرصة البدء من الأساس !؟

أصحاب الشركات يعيشون أزهى عصورهم .. أو هذا ما يعتقدونه على الأقل .. موظفون أقل يعني مصاريف أقل .. ومن طرف آخر موظفون أقل يعني عاطلون عن العمل أكثر وسوق أضيق وفئات مستهدفة قادرة على الدفع تقل باستمرار وهذا سيؤدي الى زيادة التنافس وخروجهم من السوق في لحظة ما .

استبدال البشر بالذكاء الصناعي هو مجرد خرافة .. لا بد من بشر في الأعمال والكثير منهم لكي تستقيم الأمور .. أصحاب الأعمال عادة يحاولون دائماً أن يقسموا العمل بين الموظفين ويعزلوهم حتى لا يعرفوا معلومات عن الشركة أكثر من اللازم … فهل سيسلمون رقابهم لعدد قليل من الموظفين لدرجة اختلال سير العمل في حال استقالة واحد أو اثنان منهم ومعهم ذكاء صناعي مركزي سيعرف كل شيء عن تفاصيل أعمالهم وسيتدرب على معلوماتهم ليكون المستفيد الأكبر هو العدد القليل من الشركات الذين هم وراء الذكاء الصناعي وتقنياته !؟